مايا أنجيلو حين تقرر امرأة أن تغرد خارج السرب
فى يوم ٤ إبريل ١٩٢٨ ولدت مارجريت آنى جونسون أنجيلو، المعروفة باسم مايا أنجيلو وهى كاتبة وممثلة وكاتبة سيناريو وراقصة وشاعرة وناشطة فى مجال الحقوق المدنية أمريكية. تعرف هذه المرأة الملهمة والمشهورة بإنجازاتها المتعددة فى مجالات مختلفة ورائدة.
حققت مذكراتها الصادرة عام ١٩٦٩، بعنوان "أعرف لماذا يغرد الطائر المحبوس"، إنجازا غير مسبوق فى عالم الأدب حيث كانت أول كتاب غير روائى يحقق أعلى المبيعات لكاتبة أمريكية من أصل أفريقى.
سنوات الطفولة المؤلمة: وُلدت مايا وشقيقها الأكبر، بيلى جونيور، لوالدتهما فيفيان باكستر جونسون وكانت تعمل ممرضة وكان والدهما بيلي جونسون بوابا. عندما بلغت مايا (التي أطلق عليها شقيقها هذا اللقب) الثالثة من عمرها انفصل والداها وأرسلاها هي وشقيقها للعيش مع جديها فى ستامبس، أركنساس.
بعد أربع سنوات أُعيدت مايا وشقيقها للعيش مع والدتها. وفى سن الثامنة اغتصبها صديق والدتها رجل يدعى فريمان واعترفت عليه. سجن فريمان ليوم واحد فقط ثم قتل بعد أربعة أيام من إطلاق سراحه وأغلب الظن أن أعمامها من قاموا بذلك.
بقيت مايا فى عزلة وانزوت لشعورها بالذنب واعتقادها أنها السبب فى قتله. التزمت الصمت مدة خمس سنوات. كتبت فيما بعد: "ظننت أن صوتي قتله؛ قتلت ذلك الرجل، لأننى نطقت باسمه. ثم ظننت أننى لن أتكلم مجددا، لأن صوتى سيقتل أى شخص..."
يقال إن مايا خلال سنوات صمتها هذه قد طورت من ذاكرتها الاستثنائية وعززت من شغفها وحبها للكتب والكتابة والقراءة وصقلتها قدرتها الفائقة على الملاحظة والاستماع إلى العالم من حولها.
بعد وقت قصير من مقتل فريمان، عادت مايا وشقيقها إلى منزل جدّيهما فى ستامبس، أركنساس. وتعزى مايا الفضل فى قدرتها على الكلام ثانية، إلى علاقتها بشقيقها بيلى وصديقة العائلة بيرثا فلاورز
التى مايا على عالم الأدباء الكبار الذين أثروا فيها وألهموها ومن بينهم تشارلز ديكنز، وويليام شكسبير، وفرانسيس واتكينز هاربر، وجيسى ريدمون فوسيت.
فى عام ١٩٥٠ ورغم التدقيق المجتمعى فى العلاقات بين الأعراق ورفض والدتها، تزوجت مايا لفترة وجيزة من توش أنجيلوس، وهو بحار يونانى. وخلال تلك الفترة بدأت تستكشف عالم الأداء الفنى والإبداعى. وفى أوائل عام ١٩٥٢، اتخذت لقب أنجيلو.
انتقلت أنجيلو إلى مدينة نيويورك فى أواخر خمسينيات القرن العشرين حيث وجدت التشجيع لمواهبها الأدبية فى جماعة كتاب هارلم. وفى الوقت نفسه حصلت على دور رئيسى فى إنتاجٍ برعاية وزارة الخارجية الأمريكية لأوبرا جورج جيرشوين الشعبية "بورجي وبيس"، وتجولت مع هذه الفرقة فى ٢٢ دولة فى أوروبا وأفريقيا. كما درست الرقص على يد مارثا جراهام وبيرل بريموس. وفى عام ١٩٦١ شاركت فى مسرحية جان جينيه "السود". وفى العام نفسه أقنعها فوسومزى إل. ماك -وهو معارض من جنوب أفريقيا- تزوجته لفترة وجيزة وانتقلا إلى القاهرة، حيث عملت فى صحيفة "المراقب العربي" The Arab Observer ثم انتقلت لاحقا إلى غانا -بعد انفصالها عن زوجها- عام ١٩٦٢ هى وابنها جاى ليلتحق بالجامعة لكنه تعرض لإصابة بالغة فى حادث سيارة. وبقيا فى غانا حتى تعافى تماما عام ١٩٦٥.
فى غانا، عملت مايا أنجيلو إدارية فى جامعة غانا ثم محررة فى مجلة "ذا أفريكان ريفيو"، وكتبت بشكل مستقل لصحيفة "غانيان تايمز"، كما كتبت وألقت برامج إذاعية فى إذاعة غانا. حتى أنها عملت ومثلت فى المسرح الوطنى الغانى. كانت شخصية متعددة المواهب حقا.
واجهت صداقات بارزة عقبات: ضمّت قائمة معارف وأصدقاء مايا شخصيات ذكية ورائدة أخرى أثرت فى تألقها. خلال إقامتها فى غانا توطدت علاقتها بمالكولم إكس وبعد عودتها إلى الولايات المتحدة عام ١٩٦٥، ساعدته في تأسيس منظمة الوحدة الأفرو-أمريكية.
بعد اغتيال مالكوم إكس، انقلبت حياة مايا رأسا على عقب وتنقلت بين وظائف وأدوار مختلفة؛ فمثلت وكتبت مسرحيات. وفى الستينيات، طلب منها مارتن لوثر كينج أن تكون المنسقة لمؤتمر القيادة المسيحية الجنوبية. اغتيل كينج فى عيد ميلادها الأربعين، فى الرابع من أبريل عام ١٩٦٨.
بعد فقدان صديق آخر من المشجعين لها، ازدادت معاناتها إلى أن انتشلها من دوامة الاكتئاب صديق مقرب آخر هو الكاتب جيمس بالدوين.
بعد فترة وجيزة، استغلت عبقريتها الإبداعية مرة أخرى وخرجت مرة أخرى وكتبت وأنتجت وروت سلسلة: "السود، البلوز، السود!"، وهى سلسلة وثائقية من عشرة أجزاء تتناول العلاقة بين موسيقى البلوز والتراث الأفريقى.
نُشرت أول سيرة ذاتية لمايا، بعنوان "أعرف لماذا يغنى الطائر المحبوس"، فى عام ١٩٦٩وقد حقق هذا الكتاب نجاحا كبيرا وشهرة عالمية.
حياة حافلة بالإنجازات الرائدة: فى عام ١٩٧٢، كتبت مايا سيناريو فيلم "جورجيا، جورجيا"، لتصبح أول امرأة سوداء يُنتج لها سيناريو فيلم من تأليفها. وعلى مدى السنوات العشر التالية، أنجزت ما يفوق ما ينجزه معظم الناس فى حياتهم.
فى عام ١٩٧٣، انتقلت إلى باريس وتزوجت من بول دو فو، حيث وضعت موسيقى تصويرية للأفلام وكتبت مسلسلات تلفزيونية، ومقالات، وقصائد، وقصص قصيرة، وسيرة ذاتية، وأنتجت مسرحيات، وألقت محاضرات فى الجامعات والكليات.
فى عام ١٩٩٣، أصبحت مايا أول شاعرة منذ روبرت فروست تُلقى قصيدة من تأليفها فى حفل تنصيب رئيس. ألقت قصيدتها "على نبض الصباح" فى حفل تنصيب الرئيس بيل كلينتون.
الجوائز والتكريمات
فى عام ١٩٧٥، نالت أنجيلو جائزة "امرأة العام" من مجلة "ليديز هوم جورنال" فى مجال الاتصالات. كما عيّنها الرئيس جيمى كارتر فى اللجنة الوطنية للاحتفال بالسنة الدولية للمرأة.
كانت عضوا فى مجلس أمناء معهد الفيلم الأمريكى، وإحدى العضوات القلائل في نقابة المخرجين.
بطموحٍ كبير سعت مايا أنجيلو إلى إخراج فيلم روائى طويل، وحققت ذلك عام ١٩٩٦ بإخراجها فيلم "داون إن ذا دلتا" Down In The Delta. فاز الفيلم بجائزة الجمهور في مهرجان شيكاغو السينمائى الدولى عام ١٩٩٨، وحظى بتقدير مهرجان أكابولكو لأفلام السود عام ١٩٩٩.
توفيت مايا أنجيلو فى ٢٨ مايو ٢٠١٤ فى منزلها فى وينستون-سالم، بولاية كارولاينا الشمالية. انتشر الخبر بسرعة، وحزن عليها الكثيرون.
وأصدرت العديد من الشخصيات العامة والبارزة بيانات فى رثائها، من بينهم الرئيس باراك أوباما، الذى وصف أنجيلو بأنها:"كاتبة لامعة، وصديقة وفية، وامرأة استثنائية بكل معنى الكلمة". كما تعد سيرتها الذاتية من أهم الأعمال الأدبية التى تدرس فى القرن الواحد وعشرين وتمثل شخصيتها نموذج للكثيرات من السيدات حول العالم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق