ما أبرز التحديات التي تواجه نشر التعليم في المناطق الفقيرة والنائية؟
حوار مع عبدالله النهيدي – مستشار التعليم
في ظل التفاوت التنموي بين المدن والأطراف، يظل التعليم أحد أبرز التحديات التي تواجه المجتمعات الفقيرة والنائية. في هذا الحوار، يسلّط استشاري التعليم عبدالله النهيدي الضوء على أبرز العوائق التي تعرقل وصول التعليم إلى هذه الفئات.
حيث قال بأنه على مرّ التاريخ، عانت الأطراف والمناطق النائية من الجهل وتفشّي الأمية، في حين تُعدّ المدن الأكثر استفادة من الموارد والأوفر حظًا في التعليم. ويُعدّ هذا الأمر طبيعيًا إلى حدٍّ ما، نظرًا لظروف القرى والهِجَر وصعوبة الوصول إليها، مما يجعل الأمية تشكّل نسبة مرتفعة بين سكانها. وكلما ابتعدت المناطق عن حواضر الدول، ازدادت نسبة الأمية، وهو ما تؤكده دراسات علم الاجتماع.
وتتعدد أسباب هذه الظاهرة، فمنها ما هو جغرافي طبيعي، كوعورة الطرق في المناطق الجبلية، وصعوبة الوصول إلى القرى في الصحارى، وتباعد المسافات بين التجمعات السكانية. ومنها ما هو مادي، يتمثل في الفقر وعدم قدرة أرباب الأسر على تحمّل تكاليف التعليم، أو حاجتهم إلى أبنائهم في العمل مبكرًا، مما يؤدي إلى تسربهم من المدارس في المراحل الأولى، أو عدم التحاقهم بها أساسًا.
كما توجد أسباب اجتماعية وثقافية، من أبرزها ضعف إدراك بعض الآباء والمجتمعات لأهمية التعليم، أو عدم شعورهم بالحاجة إلى المهارات التعليمية في كسب العيش، إذ إن كثيرًا من المهن التي يمارسونها لا تتطلب تعليمًا نظاميًا أو مهارات متقدمة. فبمجرد أن يصبح الطفل قادرًا على العمل، يُدفع إلى الرعي أو الزراعة أو الحراسة، وغيرها من الأعمال اليومية. وقد يصل الأمر إلى أن يخرج الأب ابنه من المدرسة خلال اليوم الدراسي لقضاء حاجة، دون وعي بقيمة التعليم وأثره على المستقبل.
ويكتفي بعض الآباء بتعليم أبنائهم القراءة والكتابة فقط، ثم يزجّون بهم في معترك الحياة العملية. ويضاف إلى ذلك ضعف الإمكانات لدى الدول الفقيرة، التي لا تستطيع إنشاء مدارس في كل قرية أو تحمّل تكاليف العملية التعليمية من رواتب ومبانٍ ومواصلات، مما يؤدي إلى تركّز الخدمات التعليمية في المدن الكبرى فقط.
ونتيجة لذلك، تستمر حياة الفقراء في دائرة مغلقة من الجهل والفقر؛ حيث يؤدي الجهل إلى الفقر، ويؤدي الفقر بدوره إلى مزيد من الجهل، لتبقى المجتمعات عالقة في حلقة مفرغة بين السبب والنتيجة.
كيف يمكن للدعوة أن تصل إلى هذه المناطق وتؤثر فيها إيجابياً؟
بقدر الحاجة يكون الجهد, وبقدر الهم يكون العمل, ومن حمل هم شيئاً لم يعدم وسيله للوصول إليه, هناك من وصل إلى ما هو أبعد من هذه المناطق, في أعماق الصحاري, وأدغال أفريقيا, ومجاهل آسيا, ولكن العمل الفردي يظل محدود التأثير, بخلاف جهود الحكومات والمنظمات, ومن لديهم إمكانيات كبيرة, وهناك فرص كبيرة يجب استغلالها, كشق طرق للوصول للمناطق النائية, وبناء مجمعات تظم مرافق تعليمية وسكنات داخلية لمن لا يستطيع الوصول اليومي, هناك مجال آخر في إقامة رحلات تطوعية تظم فريق متكامل يستطيع أن يقيم برامج ودورات توعوية أسبوعية أو شهرية, هناك استقطاب الأذكياء من أبناء المناطق النائية, وأخذهم إلى محاضن تربوية وتعليمية في المدن, وتدريبهم ومن ثم عودتهم إلى مناطقهم يحملون هم تغيير الواقع المرير في مجتمعاتهم, هناك حملات توعوية تضم توزيع المنشورات والنشرات, وحتى الأجهزة التعليمية, الإستفادة من أكبر مرفق تطوعي في العالم الإسلامي وهو المسجد, والذي لا تخلوا قرية قريبة أو بعيدة من وجود مسجد, وإقامة فعاليات تعليمية فيها, هناك وهناك فرص كثيرة, وبقدر الحاجة تتخلق الفرص أكثر فأكثر.
ما الوسائل أو الأساليب التي تعتمدونها لجذب الأطفال والشباب للتعليم؟ما أبرز الصعوبات التي تواجهكم أثناء تنفيذ المشاريع التعليمية؟
في ظل شح الموارد لا نتكلم عن وسائل متطورة, لكن نتكلم عن ابتكار بيئة جاذبة للتعليم, تشجيع على التميز, ربط الحياة الكريمة بالتعليم, إبراز نماذج ناجحة تكون محفزة للوصول للنجاح, تقديم معونات عينية لكل من يلتحق بالتعليم, كربط المنظمات الخيرية توزيع المساعدات بالتعليم, فتكون حصص التوزيع بناء على عدد الملتحقين بالبرامج التعليمية, يضطر الآباء لإرسال أولادهم للم\ارس من أجل الحصول على المساعدات, خلق بيئة مناسبة كالمناشط الترفيهية في المدارس, وغيرها كثير وبعضها لا تكلف شيئاً.
كيف تتعاملون مع نقص الموارد أو ضعف البنية التحتية؟
هناك شيء تستطيع تجاوزه وإيجاد بديل مناسب له, لما نقصت الكتب والدفاتر في بعض غابات أفريقيا استخدموا الألواح وقطع الفحم في العملية التعليمية, المشكلة ليست عجز الوسيلة وإنما عجز التفكير, اليوم ليست المشكلة في نقص الوسيلة, وإنما في العجز عن استخدامها, ما كان صعباً قديماً, صار اليوم أكثر من متاح, تحول التعليم في البلدان المتقدمة إلى التعليم الإلكتروني, ونحن مازلنا نطلب بتوفير الكتاب والقلم والدفتر والمبنى, وأظن هذه أصبحت اليوم منأسهل ما يحصل عليه, فلنبدأ بها.
ما الحلول العملية التي تقترحونها لتحسين واقع التعليم في هذه المناطق؟
ما سبق وذكرته من نقاط يمكن أن تتحول إلى حلول, وأول الحلول هو وجود نية صادقة لدى الجهات المسؤولة على انتشال هذه المجتمعات من حالة الجهل التي تعيش فيها, والمستفيد الأول من تغيير واقعهم هو الدولة نفسها.
ومع ذلك يبقى التعليم حجر الأساس في كسر دائرة الفقر والجهل، رغم تعقّد التحديات وتشابكها. ومع تضافر الجهود، يمكن تحويل هذه المعاناة إلى فرص حقيقية للتنمية والتغيير.
فاطمة الكحلوت/ الأردن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق