الأربعاء، 17 يونيو 2026

الإدمان الرقمي لدى الأطفال ودور الأمهات في المواجهة

 الإدمان الرقمي لدى الأطفال ودور الأمهات في المواجهة



في السنوات الأخيرة، أصبحت الأجهزة الذكية جزءًا أساسيًا من حياة الأطفال، فلم يعد الهاتف المحمول أو الجهاز اللوحي مجرد وسيلة للترفيه، بل تحول إلى رفيق دائم يرافق الطفل في المنزل والمدرسة وأثناء الزيارات العائلية. ورغم الفوائد التعليمية والتكنولوجية التي توفرها هذه الأجهزة، فإن الاستخدام المفرط لها أفرز ظاهرة مقلقة باتت تعرف بـ"الإدمان الرقمي"، وهي من أبرز القضايا التي تشغل الأسر والمجتمعات في الوقت الراهن.


يُقصد بالإدمان الرقمي حالة التعلق الشديد بالأجهزة الإلكترونية ومواقع التواصل والألعاب الرقمية إلى درجة تؤثر سلبًا في حياة الطفل اليومية وسلوكه وعلاقاته الاجتماعية. ويظهر ذلك من خلال قضاء ساعات طويلة أمام الشاشات، والانزعاج الشديد عند محاولة إبعاد الجهاز عنه، وفقدان الاهتمام بالأنشطة الأخرى مثل اللعب التقليدي أو الدراسة أو التفاعل مع أفراد الأسرة.


وتشير الملاحظات التربوية إلى أن الأطفال الذين يقضون أوقاتًا طويلة أمام الشاشات قد يعانون من مشكلات متعددة، من أبرزها ضعف التركيز وتراجع التحصيل الدراسي واضطرابات النوم وقلة النشاط البدني. كما يمكن أن يؤدي الإفراط في استخدام الأجهزة إلى ضعف المهارات الاجتماعية، حيث يعتاد الطفل على التواصل الافتراضي أكثر من التواصل الواقعي، مما ينعكس على قدرته في بناء العلاقات والتفاعل مع الآخرين.


ولا يقتصر تأثير الإدمان الرقمي على الجانب التعليمي أو الصحي فقط، بل يمتد إلى الجانب النفسي أيضًا. فبعض الأطفال يصبحون أكثر عصبية وتوترًا عند حرمانهم من الأجهزة الإلكترونية، بينما يعاني آخرون من العزلة والانطواء نتيجة انشغالهم المستمر بالعالم الرقمي. كما أن التعرض المتكرر للمحتوى غير المناسب قد يؤثر في منظومة القيم والسلوك لدى الطفل، خاصة في ظل غياب الرقابة الأسرية.


وفي مواجهة هذه الظاهرة، يبرز دور الأم باعتبارها العنصر الأقرب إلى الطفل والأكثر تأثيرًا في تشكيل عاداته اليومية. فالأم ليست مجرد مراقب لاستخدام التكنولوجيا، بل شريك أساسي في توجيه الطفل نحو الاستخدام الآمن والمتوازن لها. وتبدأ المواجهة من وضع قواعد واضحة ومحددة لاستخدام الأجهزة الإلكترونية، تتناسب مع عمر الطفل واحتياجاته، مع الالتزام بتطبيقها بصورة عادلة وثابتة.


كما يمكن للأم أن تشجع أبناءها على ممارسة أنشطة بديلة تجذب اهتمامهم بعيدًا عن الشاشات، مثل الرياضة والقراءة والرسم والألعاب الجماعية والأنشطة الاجتماعية. فالطفل الذي يجد بيئة غنية بالأنشطة والتجارب الواقعية يكون أقل عرضة للانغماس المفرط في العالم الرقمي.


ومن المهم أيضًا أن تكون الأم قدوة حسنة لأبنائها في استخدام التكنولوجيا. فالأطفال يتعلمون من خلال الملاحظة أكثر مما يتعلمون من خلال التوجيه المباشر، وعندما يرون والديهم يقضون معظم أوقاتهم أمام الهواتف، يصبح من الصعب إقناعهم بتقليل استخدامهم للأجهزة.


كذلك ينبغي تعزيز الحوار داخل الأسرة حول فوائد التكنولوجيا ومخاطرها، وتعليم الأطفال مهارات الاستخدام المسؤول للإنترنت منذ سن مبكرة. فالحل لا يكمن في منع التكنولوجيا بشكل كامل، لأن ذلك أصبح غير واقعي في العصر الحديث، وإنما في بناء وعي رقمي يساعد الطفل على الاستفادة من مزاياها دون الوقوع في أضرارها.


إن الإدمان الرقمي لدى الأطفال ليس مشكلة فردية تخص أسرة بعينها، بل هو تحدٍ اجتماعي وتربوي يتطلب تعاون الأسرة والمدرسة والمؤسسات المجتمعية. ومع تزايد حضور التكنولوجيا في حياتنا اليومية، تزداد الحاجة إلى دور الأمهات في تحقيق التوازن بين العالم الرقمي والعالم الواقعي، حفاظًا على صحة الأطفال النفسية والجسدية، وضمانًا لنشأة جيل قادر على استخدام التكنولوجيا بوعي ومسؤولية دون أن يقع أسيرًا لها.

فاطمة الكحلوت /الأردن



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

بين بُعد المسافة وقلة الإمكانات.. كيف يعيش الطلاب في المناطق النائية رحلة التعليم؟

 بين بُعد المسافة وقلة الإمكانات.. كيف يعيش الطلاب في المناطق النائية رحلة التعليم؟ في الوقت الذي أصبح فيه التعليم متاحًا عبر المنصات الرقمي...