أخي طبيب شرعي
![]() |
سامح، أخي، شاب ذكي ومميّز يبلغ من العمر اثنين وثلاثين عامًا، يعمل طبيبًا شرعيًا ويحب عمله حبًا جمًّا. أنا أصغر منه بثلاث سنوات، ومنذ وفاة والدي وأنا صغيرة، أصبح سامح بالنسبة لي الأب والأخ والصديق. كانت علاقتنا وثيقة للغاية، نتشارك أدق تفاصيل حياتنا.
نعيش أنا وأخي مع والدتي في منزلنا. في الآونة الأخيرة، بدأ سامح يحدثني عن أمور غريبة؛ خيالات يراها وأصوات يسمعها داخل المشرحة أثناء عمله. اعتدت أن أستمع إليه، لكنه كان يكرر أنه لا يستطيع البوح بهذه الأمور لأحد، خوفًا من أن يُظن به الجنون. عرضت عليه مرارًا أن يترك هذا العمل أو يغيّر مجاله، لكنه كان يرفض بشدة، مؤكدًا أنه يعشقه.
كان يحدثني عن أشباح يراها، وهمسات يسمعها، وأحيانًا تكون تلك الأصوات مرتبطة بالجثث التي يقوم بتشريحها. أكثر ما أثار رعبي في حديثه، حين قال لي:
"كنت أجلس في مكتبي أنهي بعض الأوراق، حين رن الهاتف. أجبت، فأخبرني أحدهم أن جثة في طريقها إلينا بتكليف من النيابة العامة، ويجب تشريحها على وجه السرعة لأهمية القضية. أنهيت المكالمة، وأكملت عملي، ثم جلست أنتظر وصول الجثة.
وصلت الجثة، ودخلت غرفة التشريح. ارتديت ملابسي الطبية، وبدأت بفتح الكيس الأسود. فجأة، شعرت بانقباض شديد في صدري، وكأن قبضة باردة تعتصر قلبي دون سبب واضح. حاولت تجاهل الأمر، وأكملت فتح الكيس.
كانت فتاة في الثالثة والعشرين من عمرها، تحيط بعنقها علامة زرقاء واضحة. قرأت تقريرها: حالة انتحار، مع وجود شبهة جنائية. استغربت، كيف لعروس لم يمضِ على زواجها سوى شهر واحد أن تُنهي حياتها؟!
بدأت التشريح المبدئي، وتبيّن أن سبب الوفاة هو الحبل الضاغط على العنق. دوّنت التقرير المبدئي، وأدخلت الجثة إلى الثلاجة، ثم خرجت إلى مكتبي لكتابة التقرير النهائي.
لكن عندما نظرت إلى الورقة، وجدتها بيضاء تمامًا… اختفت كتابتي! ظننت أنني تركت التقرير في غرفة التشريح، فعُدت مسرعًا.
هناك، كانت الصدمة…
وجدت الجثة موضوعة على عربة النقل (الترولي). تجمّد جسدي في مكاني، فأنا متأكد أنني وضعتها في الثلاجة. ناديت على المساعد، وسألته: "من أخرج الجثة؟"
أجاب بثقة: "حضرتك يا دكتور، كنت آخر من كان في الغرفة."
أمرتُه بالانصراف، وبقيت وحدي. فجأة، بدأ الضوء يومض بشكل مخيف، ثم انقطع تمامًا. أخرجت هاتفي وأضأت الكشاف، وقلبي يكاد يقف من شدة الخوف.
وعندها… رأيتها.
كانت الجثة جالسة على العربة، وعيناها مفتوحتان على اتساعهما، تحدقان بي ببرود مرعب. ثم تحركت… ونزلت ببطء، وبدأت تتقدم نحوي.
حاولت الهرب، لكن قدميّ كانتا كأنهما مغروستان في الأرض. اقتربت أكثر، حتى أصبحت أمامي تمامًا، ثم وضعت يدها على كتفي… كانت باردة كالجليد.
شعرت بأن أنفاسي تختنق، وبأن العالم من حولي يتلاشى. همست في أذني بصوت خافت متحشرج:
"أعد التشريح… ساعدني على إظهار الحقيقة…"
وفجأة عاد الضوء.
نظرت حولي، لم تكن هناك. نظرت إلى العربة، فوجدتها فارغة. هرعت إلى الثلاجة، فوجدت الجثة في مكانها كما تركتها.
ترددت لحظة… ثم أخرجتها من جديد. هذه المرة، قررت أن أعيد التشريح بدقة أكبر، أن أفتّش في كل تفصيلة.
وخلال التشريح… كانت الصدمة.
اكتشفت أن الفتاة ما زالت عذراء… رغم زواجها منذ شهر!
تابعت التشريح، حتى عثرت على دليل حاسم: بقايا مادة مخدرة في جدار المعدة.
كتبت التقرير الجديد: جريمة قتل عمد. تم تخدير الضحية، ثم شنقها لإظهار الحادث على أنه انتحار. وأوضحت كذلك أنها ما زالت عذراء.
بعدها… شعرت أن الجثة قد سكنت، وكأن ملامحها هدأت… بل خُيّل إليّ أنها ابتسمت."
تابعت القضية لاحقًا، وتبيّن أن الشكوك دارت حول الزوج، كونه أول من اكتشف الجثة وأبلغ الشرطة. ومع الضغط عليه، اعترف بالجريمة. قال إنه فعل ذلك بدافع الخوف من الفضيحة، بعدما طلبت زوجته الطلاق بسبب عجزه، وهددته بكشف سره.
…
لكن في الفترة الأخيرة، أصبح أخي مهمومًا بشكل ملحوظ. وجهه شاحب، صامت على غير عادته. لم يعد يحدثني كما كان يفعل.
ازداد قلقي عليه، خاصة بعدما لمح لي أنه بدأ يرى تلك الخيالات في المنزل أيضًا… ويرى أشباحًا في مرايا الحمام.
طلبت منه أن يأخذ إجازة، فرفض. توسلت إليه أن يزور طبيبًا نفسيًا، فرفض كذلك. ومنذ ذلك الحين، توقف عن الحديث معي بشأن ما يراه.
بدأ ينعزل في غرفته، لا يخرج منها إلا نادرًا. فقد شهيته، ونحل جسده، واسودّت الهالات تحت عينيه من قلة النوم. كنت أراه يذبل أمامي، دون أن أتمكن من إنقاذه.
وفي صباح أحد الأيام، أخبرتني والدتي أن سعاد، ابنة جارتنا، قد توفيت في حادث أثناء عودتها من الجامعة، وأنها ستذهب لتقديم واجب العزاء.
تنهدت بحزن وقلت: "يا للخسارة… سعاد كانت فتاة طيبة. كنت أفكر أن أخطبها لأخي سامح… كنت أنتظر أن يتحسن حاله لأحدثه في الأمر."
اتسعت عينا والدتي، ونظرت إليّ بحدة، وقالت بصوت مرتجف:
"هل نسيتِ أن تأخذي دواءك يا نورا؟
تجمّدت الكلمات على شفتي. شعرتُ ببرودة تسري في أطرافي، كأن شيئًا ما انكسر داخلي.
وقبل أن أستوعب معنى سؤالها…
تابعت قائلة: سامح مات منذ خمسة أشهر."
ريها سمير \مصر

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق