فن الواو من تراث ابن عروس
كان ابن عروس فاتكًا قاطع طريق في زمن فقير، كثرت فيه اللصوصية، وقلت فيه المروءة، ثم تاب الله عليه تاركًا موروثه الشعري الذي تناقلته الأجيال، وحفظه الشعراء وتغنوا به جيلًا بعد جيل، اختلفت أقوال المؤرخين في أصل ابن عروس ونسبه، والتحول في شخصيته من فاتك إلى زاهد ينشر الحكمة بين الناس بأشعاره، وتباينت الأقوال حول نشأته ما بين مصر وتونس والمغرب، وأسباب توبته وتحوله إلى طريق الزاهدين يسعى في طريق الخير مؤثرًا الكلمة الطيبة كرسالة إنسانية، يَجُبُ بها ضلال الماضي.
ولقد كان للموقع الجغرافي لقنا في صعيد مصر خصائص متميزة تضفي على المكان عبقرية، وشخصية تاريخية تضرب بجذورها في عمق الزمن؛ إذ يحيطه النيل يحتضنه بثنية يستدير فيها بمياهه، يطوق واديه، مما جعل غالبية القرى تقع على امتداد أراضي الوادي الخصيب شرقًا وغربًا، وقربها من البحر الأحمر، لتكون محط الرحال للكثير من الأجناس المختلفة، فشهدت هجرات لقبائل عربية وتجار وزهاد من شمال إفريقية، والشرق الآسيوي استقروا في تلك البقعة، وأحدثوا مردودًا ثقافيًا، وخلفوا تراثًا إنسانيًا.
وفي مدينة قوص شرق النيل نبع ذلك التراث بكلماته التي لا تحتمل أي لهجة محلية غير لهجة أهل الجنوب بالفاظها ومعانيها العامية ذات الأصوات الثرية التي تقترب من جذور اللغة العربية أكثر من لهجة أهل الشمال، وقد زاد الشعراء على تراث ابن عروس، وحاكوا كلماته متمثلين نهجه الشعري، ولسنا نتحدث عن ابن عروس كمبحث تاريخي، وإنما نلقي نظرة على ذلك التراث الشعبي البديع، وقد تناقل شفاهة على ألسنة الشعراء والمداحين في لحن شجي لأنغام صوت الراوي مع أنغام آلة الربابة أحيانًا، ويتمثل أهل القرى بتراث يحوي حكمة الزمان، ويعبر عن فكر وفلسفة بسطاء المصريين لماضٍ يمتد للقرن الثامن عشر إبان حكم المماليك، والاحتلال الفرنسي لمصر.
كيف تبدو المحن باعثًا لفن جميل، عاش على الألسنة، يجسد مشاعر الشعب، ويحكي ملاحم الماضي، ويصف عثرات الطريق، والظلم وقسوة الفقر وحكمة الدهر؟!
فن الواو: مربعات تتكون من أربع شطرات، في بيتين من الشعر، تتفق قافية الشطرة الأولى مع قافية الشطرة الثالثة، وقافية الشطر الثاني مع الشطر الرابع، وهي رباعية من بحر المجتث على وزن: مستفعلن فاعلاتن مرتين، ثم يعطف الشاعر برباعية أخرى ذات فكرة مستقلة، وكأنه حديث مسترسل من همس الروح وخلجات الوجدان، ويستخدم الشاعر حرف الواو عند العطف بين المربعات، يفصل بينها بقوله: وقال الشاعر؛ لذا سُمي بفن الواو.
تبوح المربعات بمكنون مشاعر صادقة خرجت من القلب ارتجالًا، تصف حال صاحبها؛ لتصدقها قلوب المتلقين، فتأنس بها، حكم وأمثال شعبية صِيغت في قالب شعري يدعو للتأمل والدراسة، يمكن دمجه في التراث الشعبي الحديث، ففي إحياء ذلك الفن المنقول شفاهة عبر أثير الزمن، وإن كان له خصوصية اللهجة المحلية لأهل الجنوب من مصر إلا إنه يحمل ثقافة الأجيال، وعراقة التاريخ، وروعة البيان.
يجدر بنا النظر إليه من منظور اجتماعي تاريخي، وفلسفي نفسي، ولغوي ينهل من مفردات اللغة العربية الفصحى، تتجلى فيه فلسفة المجتمعات عبر الأجيال، شاهدة على أوجاع البشر، تسوق لنا العبرة وتستلهم الفكرة في فن شفاهي يروى بكلمات تسمع رنينها عبر أنغام مؤثرة تعتمد على جمال صوت الراوي، وطريقة أدائه؛ ليستشعر السامع حلاوة الحديث والإلقاء البديع.
وتتضح مع ذلك التراث صورًا حية تجسد الماضي: الغدر والخذلان، الظلم والبغي، طبائع الناس، صورة المرأة، معاناة الفقراء والحالة الاقتصادية والنفسية لأنماط مختلفة من البشر، الحب وقيود المجتمع، الصداقة، الصراعات الطبقية، مقاومة الاحتلال، ثم حكمة الشاعر في معالجة الأمور ومواكبة أحداث زمنه، ليبقى شاهدًا على العصر.
وتنزع مربعات الواو إلى الحزن والأسى القابع في نفوس الناس، مع معاناة الإنسان في مجتمعات مغلقة بحكم الموقع الجغرافي، وسيطرة العادات والتقاليد التي تدخله في دائرة سجن لا تنفك قيوده، ومشاعر حرمان يجترها عبر الكلمات.
فن الواو: ثمار الألم وبوح النفس، وغرس الصبار نما في صحراء مقفرة، نبت من نبع العزيمة شامخًا فوق جبال الصبر، يعاند كل الظروف التي تحول بين المرء والسعادة، تصدح الأنغام على آهات وعذابات في مجتمعات مكبلة، لم تؤمن يومًا بحرية الإنسان وحقه في العيش الأمن، تلك نفائسهم التي أودعوها عصارة فكرهم ونبض قلوبهم، عاشت بينهم سمير الليالي الخالية.
ومن أمثلة مربعات فن الواو: وقال الشاعر:
مسكين من يطبخ الفاس ويريد مرق من حديده
مسكين مين يعاشر الناس ويريد من لا يريده
وقال الشاعر:
ما يرقد الليل مغبون ولا يقرب النار دافي
ولا يطعمك شهد مكنون إلا الحبيب الموافي
وقال الشاعر:
لا أنام على الشوك عريان واصبر على ما جرى لي
واصبر عليك يا زمان حتى ينعدل حالي
وقال الشاعر:
ولابد عن يوم معلوم تترد فيه المظالم
أبيض على كل مظلوم اسود على كل ظالم
وقال الشاعر:
محدش خالي من الهم حتى قلوع المراكب
اوعى تقول للندل يا عم ولو على السرج راكب
وقال الشاعر:
محدش خالي من الهم حتى الحصى في الأراضي
ماله مصران ولا دم ولا بالهم راضي
ومن شعراء فن الواو قديمًا وحديثًا: أحمد بن عبد الله الهواري الملقلب بابن عروس مؤسس فن المربعات، أحمد محمد القوصي من شعراء القرن التاسع عشر، الشيخ حسن عبد الرحيم الفرشوطي شاعر مخضرم عاش ما بين القرنين التاسع عشر والعشرين، عبد الستار سليم الذي جمع تراث ابن عروس ووثقه في ديوان، محمد النوبي، علي النابي، عادل صابر، محمد أمين خربوش، صفوت البططي، هشام الجخ.
فإذا ما تساءلنا عن أهمية فن الواو، فإنه يعد سجلًا تاريخيًا يبرز صورة المجتمع في العصر المملوكي، ويعبر عن معاناته، يحوي مفردات لغوية ترجع أصولها للغة العربية الفصحى التي تجلت في لهجات القبائل العربية مما يفيد الدرس اللغوي والأدب الشعبي.
وهو من أبرز الفنون الشعبية الشفاهية التي رسمت ملامح المواطن المصري البسيط في فترات اضمحلال اللغة العربية، امتاز بالإيجاز وجلال الصياغة، ليعبر عن المعاني الكثيرة بالقليل من الألفاظ، يعيد للذاكرة الأدب الشفاهي كشعر المعلقات، مما يعد دليلًا على قوة الذاكرة الشفهية للأدب في تجسيد الهوية الثقافية والفكرية للأجيال.
إن موسيقا النص المعتمدة على المحسنات البديعية خاصة الجناس، ترتكز على حاسة السمع، ونبرة الصوت فيتسلل الحكي إلى النفس وينفذ مؤثرًا في الوجدان سهل الوصول، سريع الحفظ.
وتبقى الأوطان أعز مكان في الدنا، وتحيا القلوب على نسيم حقولها، وأنغام نترنم بشجوها، نعيش كنبتها بين الماء والطين، وتنبت في الأرواح شجرة من يقين، روتها مياه النيل، إني أحبك يا بلادي، لو تعلمين.
الكاتبة: منى مختار حساني
الدولة: جمهورية مصر العربية

تحياتي وتقديري وشكري العميق للأستاذة فاطمة الكلوت للجهد المبذول لدعم المواهب
ردحذف