"قصة"
"كوب ماءٍ أثري"
أبلغ من العمر سبعةً وثلاثين عامًا، وأعمل في مجال التنقيب عن الآمثار. في أحد الأيام، كنا قد اكتشفنا مقبرةً أثرية يعود تاريخها إلى آلاف السنين. كان الجو شديد الحرارة، وانشغلنا بالعمل حتى لم ننتبه إلى نفاد الماء لدينا. اشتد بنا العطش، لكننا كنا على وشك الانتهاء، فاتفقنا على التحمل حتى نُتم مهمتنا.
كانت المقبرة تتكون من غرفٍ متصلة بممراتٍ ضيقة وسرية. وبينما كنت أعمل، سمعت صدى صوتٍ خافت قادم من إحدى الغرف. دفعني الفضول إلى تتبعه، فسرت بحذر داخل ممر طويل مظلم، مستعينًا بمصباحي اليدوي. لم يلاحظني باقي الفريق.
دخلت الغرفة، فلم أجد بها أحدًا، بل كانت خالية تمامًا… إلا من كوبٍ ذهبي موضوع في زاويةٍ بعيدة. اقتربت منه، وعندما نظرت داخله، دهشت لوجود ماء صافٍ يملؤه. دون تفكير، مددت يدي والتقطته، ثم شربت ما فيه دفعةً واحدة.
في اللحظة التالية، اختفى الكوب من بين يدي فجأة.
تجمد الدم في عروقي، وتسارعت دقات قلبي، واستولى عليّ خوفٌ شديد. هرعت عائدًا إلى الفريق، محاولًا إقناع نفسي أن ما حدث مجرد وهم. لكن بعد دقائق، شعرت بألمٍ حاد في معدتي، جعلني عاجزًا عن مواصلة العمل. كنت على يقينٍ غامض أن لذلك الكوب علاقة بما يحدث لي.
أمرني مديري بالعودة إلى المنزل لأرتاح، فاشتريت في طريقي دواءً مطهرًا، وعدت منهكًا. ما إن وصلت إلى المنزل حتى ألقيت بجسدي على السرير، وغرقت في نومٍ عميق.
عندما استيقظت، اكتشفت أنني نمت سبع عشرة ساعة متواصلة.
كان اليوم التالي يوم الجمعة، إجازة، ومع ذلك شعرت بإرهاقٍ غريب وكأن النوم لم يُجدِ نفعًا. جلست مع أسرتي على الإفطار، وهنا لاحظت أمرًا مقلقًا. فركت عينيّ مراتٍ عديدة، لكن دون جدوى…
كنت أرى أرقامًا.
أرقامًا مكتوبة فوق كل شيء… وفوق رؤوس كل شخص.
لم أفهم معناها في البداية. نظرت إلى المرآة، فلم أرَ شيئًا فوق رأسي. خرجت إلى الشارع، أراقب تلك الأرقام في حيرةٍ متزايدة، حتى بدأت ألاحظ نمطًا معينًا: الرقم الأول فوق رؤوس الناس يدل على أعمارهم الحالية، أما الرقم الثاني فيشير — على ما يبدو — إلى أعمارهم المتوقعة.
أما الأرقام التي تظهر على الأشياء، فكانت تشير إلى عمرها.
أدركت حينها أن كوب الماء الذي شربته لم يكن عاديًا… لقد منحني قدرة خارقة.
في اليوم التالي، كنت مدعوًا إلى حضور مزادٍ لبيع التحف والأنتيكات. ذهبت وأنا مشحون بالحماس، وقد بدأت أختبر قدرتي الجديدة. كنت أقرأ الأرقام فوق القطع المعروضة، فأفهم منها عمر القطعة وقيمتها الحقيقية. أفادتني هذه القدرة كثيرًا، حتى إنني اشتريت قطعةً بثمنٍ زهيد، بينما كانت قيمتها الحقيقية تُقدّر بالملايين.
بعد انتهاء المزاد، عرضت القطعة على أحد أكبر مكاتب التحف في العاصمة، وبعتها بمبلغٍ ضخم.
وبينما كنت أسير في الطريق، لفت انتباهي شخص غريب… كان فوق رأسه رقمٌ سالب: -300.
توقفت مذهولًا، ثم اقتربت منه.
قلت:
— عذرًا، هل تسمح لي بسؤال؟
التفت إليّ، وقد بدت الدهشة واضحة على وجهه:
— أتراني؟
ترددت لحظة، ثم قلت:
— نعم… أراك. هل يمكنني أن أسألك… كم عمرك؟
أجاب بهدوء:
— وُلدت عام 2300… عمري الآن ستة وعشرون عامًا. جئت إلى هذا العالم عن طريق الخطأ، ولا أحد هنا يراني أو يسمعني… لأنني بالنسبة لكم من المستقبل.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي، لكنني صدقته. الرقم فوق رأسه لم يكن يكذب.
قلت له:
— نحن في عام 2026… وما تقوله يبدو جنونيًا، لكنني أصدقك.
نظر إليّ برجاء:
— ساعدني… أريد العودة إلى زمني.
وافقت، رغم أنني لم أكن أعلم من أين أبدأ.
استأجرت له شقةً في العمارة التي أسكن بها، وأنفقت عليه من المال الذي كسبته. جلست معه طويلًا، أستمع إلى حكايته عن المستقبل.
قال إن العالم تغيّر تمامًا:
حلّت الآلات والذكاء الاصطناعي محل البشر في أغلب الأعمال، وانتشرت الروبوتات في كل منزل. انقسم المجتمع إلى فئتين:
فئة تتحكم في التكنولوجيا، وأخرى تعتمد عليها.
أما الطبيعة، فقد تدهورت؛ الهواء أصبح ملوثًا، والماء نادرًا يُوزّع بحصص محددة، والأشجار صارت ترفًا لا يملكه إلا الأغنياء.
حكى لي كيف وصل إلى هنا، عبر فجوة زمنية فُتحت بطلاسم غامضة. وبعد بحثٍ طويل، تمكنا من العثور على رجلٍ ادعى أنه يستطيع إعادة المسافرين عبر الزمن.
ذهبنا إليه، فتمتم بكلماتٍ غريبة، وفجأة انفتحت دائرة من نورٍ أبيض.
نظر إليّ صديقي قبل أن يدخل، ومدّ يده لي بورقة نقدية غريبة:
— احتفظ بها… لتتذكرني.
ثم دخل… واختفى.
أُغلقت البوابة.
عدت إلى منزلي مثقلًا بالتعب والأسئلة. نمت فورًا، وعندما استيقظت… كانت الأرقام قد اختفت.
ظننت أن كل ما حدث كان حلمًا…
حتى وضعت يدي في جيبي.
وأخرجت الورقة النقدية.
ابتسمت.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق