الخميس، 23 أبريل 2026

الأجندة الحمراء

 الأجندة الحمراء



ابنتي الوحيدة سلمى، يقترب عيد ميلادها بعد أسبوع، وقد بدأت أُعِدّ لها مفاجأة كبيرة وأدعو صديقاتها للاحتفال معها. تذكّرتُ عيد ميلادها في العام الماضي، وكيف أُعجبت بهديتي التي كانت عبارة عن أجندة حمراء تُفتح برمزٍ سري. كتبتُ لها إهداءً بخطّي، وعلّمتها كيف تُدوّن يومياتها، كما كنت أفعل أنا في أجندتي الخضراء التي أحببتها كثيرًا.

كنت أشعر بسعادة غامرة كلما رأيتها تكتب يومياتها بانتظام.

انشغلتُ بترتيبات الحفل، وذكّرتُ والدها أن يُحضِر لها هدية. أما أنا، فقد اشتريت لها هاتفًا جديدًا طالما تمنّته، وكنت قد وعدتها به عندما تبلغ الرابعة عشرة من عمرها. والآن، وقد حان عيد ميلادها الرابع عشر، كنت واثقة أن هذه الهدية ستسعدها كثيرًا.

في أحد الأيام، عادت سلمى من المدرسة شاحبة الوجه، على غير عادتها. دخلت غرفتها دون أن تنبس بكلمة. استوقفني ذلك؛ فسلمى فتاة مرِحة، اعتادت منذ صغرها أن تعود من المدرسة لتحتضنني وتقبّلني، ثم تروي لي تفاصيل يومها بكل حماس.

لكن هذا اليوم كان مختلفًا.

دخلت غرفتها، بدّلت ملابسها، ثم استلقت على سريرها. عندما عرضتُ عليها الطعام، رفضت قائلة إنها متعبة. سألتها إن كانت مريضة لنذهب إلى الطبيب، فارتبكت وقالت:

"لا، أنا فقط متعبة… أريد أن أرتاح قليلًا."

تركتها، لكن القلق بدأ يتسلل إلى قلبي.

حين عاد والدها، أخبرته بما حدث، فقال ببساطة:

"لا تقلقي، هذه مرحلة المراهقة، دعِي لها مساحتها."

لم يطمئنني كلامه.

في اليوم التالي، تكرر المشهد ذاته. ازداد قلقي، واقتربتُ منها بلطف وقلت:

"أنا بجانبك يا سلمى، أخبريني ماذا يُقلقك."

رفعت عينيها تجمع فيهما، لكنها لم تتكلم. وكأن شيئًا ما كبّل لسانها. ثم قالت بصوت خافت:

"أنا بخير."

لم أصدق ذلك.

بدأت أراقب تصرفاتها عن قرب. في إحدى الليالي، دخلتُ غرفتها فوجدتها تذاكر، لكنها كانت تُخفي شيئًا بسرعة داخل أجندتها الحمراء. خرجتُ وأنا غارقة في التفكير.

هل تحمل تلك الأجندة سرّها؟

ترددت كثيرًا… أأفتحها أم لا؟

لكن قلقي كأم غلبني.

مرّت الأيام، وقررتُ أن أبحث فيها أثناء وجودها في المدرسة.

وفي صباح يومٍ لاحق، بعد أن غادر الجميع المنزل، دخلت غرفتها وقلبـي يخفق بقوة. بدأت أبحث حتى وجدت الأجندة أخيرًا بين أغراضها. أمسكتها ويدي ترتجف، ثم حاولت فتحها بالرمز الذي وضعناه معًا العام الماضي.

وانفتحت.

جلستُ أقرأ…

لكنني توقفت فجأة.

هذه ليست يوميات سلمى…

إنها يومياتي أنا!

أغلقت الأجندة بسرعة، ثم نظرت إلى الغلاف… نعم، هي الأجندة الحمراء نفسها. لكن كيف؟

عدتُ أفتحها، وبدأت أقرأ بتركيز أكبر. كان الخط خطّي، والكلمات كلماتي، والذكريات ذكرياتي… لكن التواريخ قديمة، تعود إلى عشرين عامًا تقريبًا.

تملّكني الذهول.

بحثتُ عن تاريخٍ محدد… الخامس والعشرون من مايو.

ذلك اليوم الذي كنت أشعر دائمًا أنه يحمل شيئًا غامضًا في داخلي، لكنه محذوف من ذاكرتي.

وجدت الصفحة… لكنها كانت ممزقة.

ترددتُ قليلًا، ثم خطرت لي فكرة.

أمسكتُ القلم وكتبت التاريخ نفسه على صفحة بيضاء.

وفجأة…

تحرّكت الحروف أمام عيني كأنها كائنات حيّة، تتجمع لتكوّن كلمات، ثم شعرتُ بدوار شديد، وغابت الرؤية…

وعندما فتحتُ عيني، وجدت نفسي في الماضي.

كنت أجلس في منزلنا القديم، أذاكر، وأشرب العصير. فجأة، دخل والداي مسرعين، أمي تبكي وأبي يقول إن أخي تعرّض لحادث. غادرا المنزل بسرعة، وتركاني مع المدرّس الذي كان يعطيني درسًا.

طلب مني المدرّس أن أحضر له ماءً من المطبخ. وعندما عدت، رأيته—دون أن يراني—يضع شيئًا في العصير.

حاولت أن أصرخ… أن أتحرك… أن أوقف نفسي… لكنني كنت مجرد شاهدة لا أملك السيطرة.

أجبرني على شرب العصير… ثم شعرت بثقل شديد، وغبت عن الوعي.

حملني ودخل بي إلى غرفة، لكن فجأة دخل ابن عمي، فرأى ما يحدث. اشتبك معه بعنف، وضربه حتى سقط أرضًا. ثم اتصل بوالدي الذي عاد مسرعًا، وأخذني إلى المستشفى.

نجوت…

لكنني لم أتذكر شيئًا.

أدركت حينها الحقيقة التي أُخفيت عني طوال هذه السنوات…

وأن ابن عمي الذي أنقذني… هو نفسه زوجي الآن.

عاد بي الوعي فجأة إلى غرفة سلمى.

كنت أرتجف.

لكنني أكملت القراءة…

هذه المرة، كانت يوميات سلمى.

قرأت مشاعرها… حبها لنا… حزنها… صراعاتها…

حتى وصلت إلى السبب الحقيقي وراء تغيرها.

كانت إحدى معلماتها تُهينها أمام زميلاتها، وتُقلل من شأنها باستمرار.

اشتعل الغضب داخلي.

في اليوم التالي، ذهبت إلى المدرسة، وتحدثت مع الإدارة بحزم. طالبتُ بمحاسبة المعلمة، وإجبارها على الاعتذار أمام الفصل. وأوضحت أن لدي معلومات لا يرغبون في كشفها.

وبالفعل…

اعتذرت المعلمة لسلمى أمام الجميع.

عاد الضوء إلى عيني ابنتي، واستعادت ثقتها بنفسها.

وعادت ضحكاتها تملأ البيت من جديد.

وفي إحدى الليالي…

دخلت غرفتها، فوجدت الأجندة مفتوحة.

وقرأت جملة واحدة كُتبت بخطها:

"أمي… أعظم أم."

ريهام سمير /مصر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

بين بُعد المسافة وقلة الإمكانات.. كيف يعيش الطلاب في المناطق النائية رحلة التعليم؟

 بين بُعد المسافة وقلة الإمكانات.. كيف يعيش الطلاب في المناطق النائية رحلة التعليم؟ في الوقت الذي أصبح فيه التعليم متاحًا عبر المنصات الرقمي...