حين يهطل الصباح منكِ:
في هذا الصباح الذي يشبهكِ حدّ الجنون حيث تتساقط قطرات المطر فوق رأسي كأن السماء تعيد كتابة اسمكِ على كتفي وتهب نسائم عطركِ على روحي وكأنكِ مررتِ للتو من هنا داهمتني رغبة الكتابة إليكِ يا عزيزتي ولا أدري لماذا تعودين إليّ دائمًا بعد كل مرة أقرر فيها أن أتوقف عنكِ، أن أترككِ معلقة في مكان بعيد، أن لا أكتبكِ لكنكِ أيتها الرائعة تعرفين جيدًا كيف تجعلين غيث يرتبك بغيابك كيف تجعلينه يكتبكِ وكأنكِ الحلم الوحيد المعلق في سقف السماء وكأنكِ آخر نجمة نجت من خراب هذا العالم وجاءت لتسكن قلبه وحده.
إليكِ أيتها الحلوة، الرائعة، النقية حدّ الوجع.
إليكِ من فتى شقي لم يكن بارعًا في شيء سوى في اختراع الجنون من أجل عينيكِ العسليتين وفي تحويل وجهكِ إلى قصيدة مضيئة تشبه مصباحًا صغيرًا ينجو به من عتمة العالم.
إليكِ هذا الجنون كله...
هذا الجنون الذي كلما وضعه غيث هنا أقسم أنه سيكون الأخير وأنه لن يعود مرة أخرى لكنه ينهزم دائمًا، يرتد كما يرتد المطر إلى الغيوم، ويجد نفسه يكتبكِ من جديد، لأنكِ يا سيدتي لستِ امرأة عادية، أنتِ كارثة جميلة، ونجاة في الوقت نفسه، أنتِ سيدة الحظ الوافر، واللعنة اللطيفة التي لا يريد النجاة منها.
أتعلمين كم مرة قرر غيث أن لا يكتبكِ؟
كم مرة حاول أن يهرب منكِ، فوجدكِ تسكنين في كل شيء؟
في فنجان القهوة،
في ضوء الصباح،
في الأغنيات القديمة،بث
في المطر،
في الشوارع الهادئة،
وفي كل امرأة عابرة لا تشبهكِ ولو قليلًا.
أتعلمين كم مرة تمنى غيث أن يأخذكِ بعيدًا عن هذا العالم وحروبه، بعيدًا عن كل هذا الخراب، ويخبئكِ في مكان لا يعرفه أحد، مكان صغير يشبه حضنًا طويلًا لا ينتهي؟
أتعلمين كم مرة تمنى أن يلمس أصابع يديكِ الناعمتين، لا لشيء، فقط ليطمئن أن كل هذا الجمال حقيقي، وأنكِ لستِ مجرد حلم بالغ في المبالغة حتى صار امرأة.
وكم مرة تمنى أن يقبض على يدكِ ويشق بكِ الطرقات ليلًا، نحو مقهى هادئ يشبهكِ، فيه ضوء خافت وأغنية قديمة وطاولة صغيرة لا يجلس عليها سواكما، ثم يكتب لكِ الشعر وأنتِ تغنينه بصوتكِ الروحي الذي يشبه نجاة رجل غارق.
أتعلمين الآن؟
الآن فقط...
كيف يشتاقكِ غيث؟
كيف يشتاق إلى فنجان قهوة بحضرتكِ، وإلى تلك النظرات التي تقتله ببطء وكأنكِ تتعمدين أن تبقيه حيًا فقط ليكتبك أكثر؟
أظنكِ تعلمين.
أظنكِ تعلمين كل شيء.
كما يعلم غيث أنكِ مهما ابتعدتِ ستبقين أجمل الأشياء التي حدثت له وأكثرها وجعًا.
السودان

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق